مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لوجه الله:

معبر رفح.. انتصار للإرادة المصرية


 

لا شك أن عودة العمل في معبر رفح بالطريقة التى تريدها مصر، ودخول وخروج الفلسطينيين منه- ولو بعدد محدود- دون وجود إسرائيلي داخل المعبر، ودون تعامل مباشر بين عناصر الأمن المصرية  ونظيرتها الصهيونية .. تمثل انتصارا للإرادة المصرية والسيادة الوطنية.. لتؤكد الأحداث والمواقف على الأرض أن  معبر رفح لن يكون مجرد بوابة حدودية بين مصر وقطاع غزة يخضع العمل فيه والمرور منه لارادة أى طرف آخر غير مصر والسلطة الفلسطينية، فلا مكان  للصهاينة داخله، بل كان المعبر وسيظل رمزا للسيادة الوطنية المصرية، وعنوانا ثابتا لدور مصر القومي تجاه القضية الفلسطينية.
وخلاصة ما شاهدناه خلال الأيام القليلة الماضية فإن عودة الحياة إلى معبر رفح، واستئناف حركة الدخول والخروج من خلاله دون أي وجود أو إشراف إسرائيلي، تمثل انتصارا صريحا للإرادة المصرية، وتأكيدا عمليا على أن القرار السيادي المصري لا يخضع للضغوط أو المساومات
لقد أكدت القيادة المصرية مرارا أن معبر رفح.. خط أحمر في العقيدة السياسية المصرية وينبغى أن يظل هذا المعبر شأنا مصريا – فلسطينيا خالصا، لا يجوز لإسرائيل فرض وصاية عليه أو استخدامه كورقة ضغط سياسية أو أمنية.
لقد حاولت إسرائيل طوال الشهور الماضية – عبر التصعيد العسكري والضغوط السياسية – فرض واقع جديد على الأرض، يكون فيه المعبر خاضعا لإشرافها المباشر أو غير المباشر، في محاولة لإحكام السيطرة على غزة وخنقها إنسانيا وسياسيا..غير أن الموقف المصري جاء حاسما وواضحا، ورددت القيادة المصرية مرارا أنها لن تقبل بوجود إسرائيلي على معبر رفح، ولا مساس بالسيادة المصرية، ولا قبول بأي ترتيبات تنتقص من الدور المصري التاريخي.
****
صمود الموقف المصري أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية حقق العديد من المكاسب للقضية الفلسطينية وهذا ما هدفت إليه مصر التى تعرضت لضغوط غير مسبوقة خلال الحرب على غزة، شملت محاولات دفعها للقبول بترتيبات أمنية تفرض واقعا جديدا على المعبر، أو فتحه بشروط إسرائيلية، أو تحويله إلى ممر قسري لتهجير الفلسطينيين.. لكن صمود القرار والإفادة المصرية أفشلت هذه السيناريوهات جميعا، وأكدت أن معبر رفح لن يكون أداة لتهجير الفلسطينيين
ولن يكون تحت إشراف إسرائيلي ولن يفتح على حساب الأمن القومي المصري أو الحقوق الفلسطينية.
هذا الصمود السياسي لم يكن موقفا عاطفيا، بل تعبيرا عن إدراك استراتيجي عميق لخطورة ما كان يُراد فرضه، ليس على غزة فقط، بل على المنطقة بأسرها.
لقد جاءت عودة العمل بالمعبر وفق الرؤية المصرية ترجمة عملية للسيادة وفق ما رأيناه على الأرض خلال الأيام الماضية ليؤكد أن مصر نجحت في فرض رؤيتها، والحفاظ على خطوطها الحمراء.. فالسيادة لا تُقاس بالبيانات وحدها، بل تُترجم على الأرض.
السياسيون الفلسطينيون أشادوا بالموقف المصرى وأكدوا أن ما جرى في معبر رفح يبرهن على أن القرار النهائي ظل مصريا، وأن محاولات فرض أمر واقع إسرائيلي قد فشلت أمام ثبات الموقف المصري.
****
تدرك مصر جيدا مخططات إسرائيل وأن ما تمارسه من أساليب الإرهاب والقهر ضد الشعب الفلسطيني أثناء وبعد توقف الحرب يستهدف دفع أهل غزة إلى الهجرة وتفريغ القطاع من سكانه لتتحقق أهداف الكيان الصهيونى.. ولذلك اتخذت الدولة المصرية قرارا واضحا منذ البداية ورفضت كل الضغوط والاغراءات لتسمح لأهل غزة بالهجرة عبر الحدود المصرية لتفشل مخطط التهجير القسري فهو
أحد أخطر الأهداف التي ارتبطت بالسيطرة الإسرائيلية على معبر رفح.. فقد كان الصهاينة يتوهمون أنهم سيفتحون أبوابه  أمام تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم، وتحديدا إلى سيناء، لكن مصر رفضت بشكل قاطع منذ اللحظة الأولى.
وبعودة المعبر للعمل في إطاره الطبيعي، دون إشراف إسرائيلي، تكون مصر قد أسقطت عمليا أحد أخطر السيناريوهات التي طُرحت خلال الحرب، وحافظت على
حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم.
لقد أرسلت مصر  رسالة واضحة إلى الداخل والخارج تؤكد أن الدولة قادرة على حماية سيادتها، والدفاع عن أمنها القومي، وعدم التفريط في ثوابتها مهما بلغت الضغوط.
لقد أكدت مصر دائما أنها ليست طرفًا يمكن تجاوزه أو فرض الإملاءات عليه، وأن دورها في القضية الفلسطينية لا يمكن ان يُختزل فى معبر أو حدود مشتركة أو يُهمش.. لتؤكد مصر انها ستظل لاعبًا رئيسيًا لا غنى عنه في أي ترتيبات تخص غزة أو مستقبل القضية الفلسطينية.
****
لقد أكدت حرب غزة الأخيرة أن مصر هى الدرع والسند.. هى صاحبة المواقف السياسية الثابتة لدعم القضية الفلسطينية، وهى صاحبة الجهد الاغاثى الأكبر لدعم إخواننا فى غزة، وهى صاحبة المواقف الإنسانية الواضحة لكل ذى عينين.. كانت مصر حاضرة بقوة، سواء في إدخال المساعدات أو استقبال الجرحى أو تسهيل حركة المدنيين.
مواقف مصر  الإنسانية لم تتأثر بأية اعتبارات سياسية حتى ولو سمعنا من بعض إخواننا الفلسطينيين ما يغضبنا وما يزعجنا.. انظروا الى ما قدمته مصر من عطاء إنسانى على الإرض داخل القطاع من خلال المخيمات المصرية التى تقدم كل صور الرعاية لإخواننا فى غزة وتحاول التخفيف عنهم فى ظل الظروف العصيبة التى يعيشونها الآن داخل القطاع.
الاعتبارات الإنسانية لا تُستخدمها  مصر أبدا كغطاء لفرض واقع سياسي مرفوض.. وهنا تتجلى خصوصية الدور المصري:إنسانية بلا تفريط، وسيادة بلا شعارات.
إن عودة الحياة إلى معبر رفح، وفتح أبوابه للحركة الطبيعية دون وجود إسرائيلي، ليست مجرد تطور إجرائي، بل انتصار حقيقي للإرادة المصرية، وتجسيد لموقف سياسي صلب حافظ على السيادة، وأسقط الضغوط، وأفشل المخططات.
لقد أثبتت مصر، مرة أخرى، أن ثوابتها ليست محل تفاوض، وأن معبر رفح سيظل بوابة مصرية فلسطينية، لا تخضع إلا لإرادة أصحاب الأرض والقرار.
وهو انتصار هادئ، بلا ضجيج، لكنه عميق الأثر… انتصار يُكتب في سجل السيادة لا في ضوضاء الإعلام.

 [email protected]